غانم قدوري الحمد
24
رسم المصحف
الأقدمين من تصدى لهذه الرواية « 1 » ، مفنّدا لها بما سبق من أن هذه الأسماء هي كلمات تجمع الحروف ليسهل تعلمها ، وهي شائعة عند اليهود والسريان - آنذاك - يعلمون بها الصبيان الكتابة . وهو بعد ذلك يرد الرواية أصلا ، إذ إنها صادرة عن رجل كان يولد الأخبار على الأمم الذين بادوا كعاد وثمود وطسم وجديس وأضرابهم ، فإذا احتاج إلى توليد أشعار يؤكد بها تلك الأخبار خرج إلى ظاهر المدينة ، حيث يلقى الأعراب يضعون له الشعر المناسب . ومهما قيل في هذه الرواية فإن فيها إشارات مهمة ، فهي أولا : تشير إلى عملية استحداث رموز الأحرف الستة التي تنفرد بها الأبجدية العربية بالنسبة لأكثر الأبجديات السامية . وثانيا : أنها تشير إلى بلاد مدين في شمال الجزيرة العربية ، وأن هؤلاء كانوا منها . وسيتضح لنا فيما بعد أن لتلك الأنحاء دورا مهما في نشوء وتطور الكتابة العربية . وننتقل الآن إلى روايات أكثر جدية عن أصل الخط العربي ، فقد كان هذا الخط يسمى في الجاهلية ( الجزم ) « 2 » . واختلف في أصل هذه التسمية ، فينقل ابن دريد وابن جني عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني ( ت 248 أو 255 ه ) قوله : إنما سمّي هذا الخط بالجزم « لأنه جزم من المسند ، أي أخذ منه » « 3 » . والمسند هو خط حمير أيام ملكهم » « 4 » . وقد جاء ابن خلدون ( ت 808 ه ) ليؤكد أن الخط من الصنائع الحضرية ، وأنه من جملة الصنائع المدنية المعاشية ، وأن جودة الخط إنما تكون على قدر الاجتماع والعمران والتناغي في الكمالات ، وهو لذلك يرى أن الخط العربي قد انتقل من اليمن ،
--> ( 1 ) حمزة بن الحسن الأصفهاني : التنبيه على حدوث التصحيف ، دمشق ، مجمع اللغة العربية بدمشق 1968 ، ص 16 - 18 . ( 2 ) ابن دريد ( أبو بكر محمد بن الحسن ) : جمهرة اللغة ، ط 1 ، حيدرآباد ، دائرة المعارف العثمانية 1345 ه ، ج 2 ، ص 91 . والاشتقاق له ، القاهرة ، الخانجي 1958 ، ص 371 . والجوهري ( إسماعيل بن حماد ) : تاج اللغة وصحاح العربية ، القاهرة ، دار الكتاب العربي 1956 ، ج 5 ، ص 1887 . وابن أبي داود : ص 4 . ( 3 ) ابن دريد : جمهرة اللغة ، ج 2 ، ص 104 . وابن جنّي ( أبو الفتح عثمان ) : سر صناعة الإعراب ، ط 1 ، القاهرة ، مصطفى البابي الحلبي 1954 ، ج 1 ، ص 45 . وابن منظور : مادة ( جزم ) ج 4 ، ص 365 . ( 4 ) ابن دريد : الجمهرة ، ج 2 ، ص 91 و 104 . وابن جنّي : سر الصناعة ، ج 1 ، ص 45 . وانظر الجوهري : ج 1 ، ص 487 .